روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
206
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقال يوسف بن الحسين : ليس بصابر من يتجرع المصيبة ويبدي فيها الكراهية ، بل الصابر من يتلذذ بصبره حتى يبلغ به إلى مقام الرضا . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 11 إلى 16 ] قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ( 12 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) قوله تعالى : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ : بيّن اللّه سبحانه مراتب حبيبه صلى اللّه عليه وسلم في منازل التوحيد والعبودية هاهنا ، فإذا لم يكن غيره في محل موازاة الأزل توجه إليه خطاب الحقيقة في أمر العبودية وعرفان الربوبية ، فإخلاصه في العبودية خروجه من رسم الحدثان في مشاهدة الرحمن ، وبيّن سبحانه في أمره إياه بقوله : وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ أي : حين تظهر طوارق أنوار أزليته وسنا جلال أحديته هو أول من يقبل إليها بنعت قبول حقائقها ومعرفة إجلالها وجلالها بنعت الانقياد في معارك عساكر سلطانها ، والفناء عن أوصاف الحدوثية في ملكوتها وجبروتها هذا شوق الإخلاص والإسلام من يشتري حلاوة وجه المحبوب ببذل وجوده من العرش إلى الثرى ، فالكل مخاطبون بخطابه ، فمن يرغب أن يفنى في هذه المقامات السنية حتى يبقى ببقاء الحق . قال الجنيد : الإخلاص أصل كل عمل ، وهو مربوط بأوائل الأعمال ، ومنوط بأواخر الأعمال ، ومضمر في كل الأقوال ، وهو إفراد اللّه بالعمل . وقال أيضا : أمر جميع الخلق بالعبادة والتعبد ، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالإخلاص في العبادة ، علم الحق تعالى أن أحدا لا يطيق تمام مقام الإخلاص سواه ، فخاطبه به . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 17 إلى 21 ] وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ ( 20 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 21 )